مناظرة علمية: هل كره عليّ عمر؟ تفنيد شبهة الكراهية بين الشيخين | د. رامي عيسى
مناظرة علمية: شبهة كراهية علي بن أبي طالب لمحضر عمر بن الخطاب
تحليل الرواية والمحبة الثابتة بين الصحابيين
دراسة نقدية شاملة في ضوء كتب الفريقين
محتوى الشبهة
يُستدل في بعض الكتابات المعاصرة برواية من الصحيحين على وجود تنافر بين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. روى الإمامان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ... فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ...". ومن المعلّقين على الرواية عبد الصمد شاكر حيث قال: "مدلول هذه الرواية الطويلة والمستفاد منها... تنفّر عليّ من عمر وكراهيته لحضوره".
الرد التفصيلي
أولاً: الصحابة بشر بين الفضل والإنصاف
الصحابة -رضوان الله عليهم- بَشر، لم يسلموا من النزعات الإنسانية، ولم يكونوا أنبياء معصومين، لكنهم أطهر الناس قلوباً وأزكاهم نفوساً بعد الأنبياء. وقد أثنى الله عليهم بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...} [الفتح: 29].
هذا المعنى تؤكده حتى المصادر الإمامية، فقد روى ابن بابويه القمي في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام وصفاً رائعاً لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله أنهم "لم ير فيهم قدري ولا مرجي ولا حروري ولا معتزلي...".
ولنا في قلب علي رضي الله عنه أكبر عبرة، فقد روى البيهقي في الاعتقاد عنه أنه قال: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكونَ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}، وكان يقول في عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولا رضيت... إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان من الذين قال الله...". فهذا هو المنهج الثابت في تعامل علي مع إخوانه.
ثانياً: تفسير الكراهة من داخل الرواية
الرواية بنفسها توضح أن الكراهة موجهة إلى "محضر عمر" أي إلى حضوره في ذلك الموقف الخاص، وليست موجهة إلى شخصه الكريم. وقد جاء عند الطبراني وغيره التصريح بالسبب: "وَكَرِهَ عَلِيٌّ أَنْ يَشْهَدَهُمْ عُمَرُ، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ عُمَرَ". فالموقف كان موقف مصالحة وعتاب، يقتضي ليناً ورفقاً، وكان علي يعلم أن أبا بكر ألين عريكة وأقدر على امتصاص حدة الموقف، بينما كان عمر معروفاً بقوته في الحق وصرامته، وهذه الصفات محمودة لكنها لا تناسب كل مقام. وهكذا، فالأمر يشبه موقفاً أسرياً يحب فيه الرجل أخاه، ومع ذلك يفضل غيبته عن جلسة عتاب حساسة خشية أن تشتد الأمور، ولا يعني ذلك بغضاً أو كراهية للشخص. يمكنكم الاطلاع على تفاصيل سيرة عمر ومواقفه من هنا.
ثالثاً: أقوال الشرّاح في معنى الموقف
وقد تعامل كبار شراح الحديث مع هذه الرواية بما يليق بمكانة الصحابة، فبيّن الحافظ ابن حجر أن السبب هو "مَا أَلِفُوهُ مِنْ قُوَّةِ عُمَرَ وَصَلَابَتِهِ... فَكَأَنَّهُمْ خَشَوْا مِنْ حُضُورِ عُمَرَ كَثْرَةَ الْمُعَاتَبَةِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى خِلَافِ مَا قَصَدُوهُ مِنَ الْمُصَافَاةِ". وأوضح النووي أن القوم خافوا أن ينتصر عمر لأبي بكر بكلام يوحش القلوب التي بدأت تطيب، وأضاف العيني أن خشية عمر كانت من أن يغلظوا على أبي بكر فيغضب، لا أن يُساء الظن بهم. فالمسألة برمتها تدور حول فقه إدارة المشاعر في المواقف الدقيقة.
رابعاً: دلائل المحبة المتواترة بين علي وعمر
تضافرت الأدلة من كتب الفريقين على متانة العلاقة بين علي وعمر رضي الله عنهما، ومنها:
• المصاهرة: ثابت أن علياً زوّج ابنته أم كلثوم من عمر، وقد ورد ذلك في صحيح البخاري وفي الكافي وغيره من مصادر الشيعة، وصححه المجلسي. وقد نهى النبي عن ردّ الخاطب المرضي الدين، فلا يمكن أن يزوج علي ابنته لمن يبغضه.
• التسمية: ذكر المفيد في الإرشاد أن لعلي ابناً اسمه عمر، وقد روى شيخ الزيدية المرشد بالله أن علياً قال عن ولديه: "هَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَقَدْ سَمَّيْتُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ". بل إن روايات أهل البيت تذم التسمي بأسماء أعدائهم، فكيف يسمي علي ابنه بهذا الاسم لو كان بينهما عداء؟
• الهدايا والعطايا: والهدية عنوان المحبة، وقد ثبت أن عمر فرض للحسن والحسين خمسة آلاف درهم، وروى ابن أبي شيبة أن علياً قال عن برد كان يلبسه: "إِنَّهُ كَسَانِيهِ خَلِيلِي وَصَفِيِّي وَصَدِيقِي وَخَاصِّي عُمَرُ، إِنَّ عُمَرَ نَاصَحَ اللَّهَ فَنَصَحَهُ اللَّهُ".
• المشورة الدائمة: في نهج البلاغة وكتب الحديث، استشار عمر علياً في غزو الروم وقتال الفرس، واعترف المجلسي بأن تلك المشاورات كانت لمصلحة الإسلام. ويقول علي في رواية الصدوق: "كان يشاورني في موارد الأمور فيصدرها عن أمري". فأين هذه الحميمية من دعوى الكراهية؟
ولمزيد من التوسع في السياق التاريخي، يمكن مراجعة سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه ومنهج عمر الفاروق في الحكم.
خامساً: معنى الاستبداد لغةً وسياقاً
وأما قول علي: "وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم" فكلمة "استبدّ" في لسان العرب تعني الانفراد بالرأي لا الاغتصاب، والمقصود عدم مشاورته في أمر الخلافة بسبب انشغاله بتجهيز النبي ودفنه صلى الله عليه وسلم. وكان علي يرى أن قرابته من النبي تجعله أولى بالمشورة، وليس إنكاراً لاستحقاق أبي بكر أو عمر، والدليل أنه صرّح بعد ذلك بتعظيم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على ما صنع نفاسة ولا إنكاراً لفضله. وهذا المعنى قرره الحافظ ابن حجر والعيني والقسطلاني. وللاطلاع على رواية عائشة رضي الله عنها كاملة، اضغط هنا.
وتجدر الإشارة إلى أن موقف علي هذا ينسجم تماماً مع ما فعله الحسن بن علي لاحقاً، حين اشترط على معاوية في وثيقة الصلح أن يسير بسيرة الخلفاء الراشدين، كما بيناه في دراسة وثيقة الصلح بين الحسن ومعاوية.
سادساً: شهادة المصادر الإمامية بقرب المنزلة
روى الصدوق أن الإمام أبا جعفر عليه السلام قال: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا كَرِهَ لَنَا جِوَارَ قَوْمٍ نَزَعَنَا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ". فبما أن الله أبقى علياً في جوار عمر طيلة عهديهما، دلّ على رضاه بذلك. ولو كان علي مستضعفاً لوجبت عليه الهجرة كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ...} [النساء: 97].
وفي الصحيحين أن علياً ترحم على عمر وتمنى أن يلقى الله بمثل عمله. وفي نهج البلاغة كلمات بليغة في مدح عمر بعد وفاته، كقوله: "لله بلاء فلان، فلقد قوّم الأود، وداوى العمد، وأقام السنة"، وقد فسّر ابن ميثم البحراني أن المقصود هو عمر. وقال أيضاً في خطبة أخرى: "ووليهم وال فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه"، والمفسَّر أنه عمر أيضاً. فبعد كل هذه الشهادات، هل يبقى مجال للقول بأن علياً كان يكره مجالسته؟! بل إن الاطلاع على أدق تفاصيل العلاقة بين الصحابة يمكن استكماله في قائمة المصادر المعتمدة وكذلك في تحليلنا الموسع لخطبة الغدير جزء ١ وجزء ٢.
والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
