تأليه الإمامة وتغليبها على التوحيد: كشف منهج التأويل الباطني في المصادر الشيعية
✍️ بقلم: ذ. رامي عيسى (السيد حيدر الموسوي)
التوحيد وعلاقته بمفهوم الإمامة: قراءة في منهج التأويل عند الطرف المخالف
التوحيد هو حق الله على العبيد، وهو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبها قامت سوق الجنة والنار، وتميز الناس مسلمين وغيرهم. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ٥٧﴾ [الذاريات: 56-57]. وتوحيد الألوهية تحديداً هو: إفراد الله بالعبادة، والإيمان بأنه لا معبود بحق إلا هو، ولا يُصرف الدعاء أو أي لون من ألوان التعبد إلا له سبحانه. كما قال عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ١٤ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾ [الزمر: 14-15].
والسؤال الذي يُطرح في سياق البحث والمناظرات المعاصرة: كيف تعامل الفكر الإمامي مع هذا الأصل العظيم؟ وهل سلمت مركزية التوحيد في منظومتهم الفكرية، أم ثمة مزاحمة مفاهيمية حصلت لصالح أصول أخرى؟ إن الباحث في تراث الطائفة الشيعية يلاحظ أن مفهوم "الإمامة" نال حيزاً تفسيرياً واسعاً، لدرجة أن نصوصاً قرآنية صريحة في تقرير توحيد الألوهية والتحذير من ضده، أُعيد توجيه دلالتها لتكون نصوصاً في تقرير "الولاية" للإمام. وهذه الملاحظة تستند إلى شواهد روائية معتمدة في مصادرهم، نعرضها للتحليل والتفكيك النقدي لا للإساءة.
أولاً: إعادة توجيه آيات التحذير من الشرك إلى التحذير من عدم الإشراك في الولاية
من الآيات البارزة في هذا السياق، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]. هذه الآية الكريمة سياقها واضح في بيان شناعة الشرك بالله وخطرِه على الأعمال. لكن عدداً من الروايات المعتمدة في مصادر القوم، منها ما ورد في كتاب الكافي (1/427)، وتفسير القمي (2/251)، وكتاب البرهان (4/83)، ذهبت إلى تفسير الشرك في الآية بأنه يعني: "إن أشركت في الولاية غيره". بل يزيد لفظ القمي في تفسيره الأمر وضوحاً بتقييده: "لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك".
وقد جمع صاحب البرهان أربع روايات في تفسير الآية تدور حول هذا المعنى. ومما يُستشهد به في هذا الباب رواية تُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتزعم أن سبب نزول هذه الآية هو أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور معاذ بن جبل في إشراك أبي بكر وعمر في الولاية ليُقبل الناس! فلما استشار جبريل، نزلت الآية المتقدمة تحذيراً من ذلك.
هذه الرواية -بغض النظر عن مناقشة سندها- تُمثل نموذجاً لانحراف القراءة عن السياق القرآني المباشر، وتحويل نصوص التوحيد الخالصة إلى ساحة للحديث عن أشخاص وأحداث تاريخية. والناظر في تفاصيل موقف الشيخين من قضية الولاية يجد انسجاماً مع هذا التفسير المأثور عندهم. كما أن موقف عمر بن الخطاب تحديداً من الوصية والخلافة، وما يُروى من كراهية علي وعمر المتبادلة، يُلقي بظلاله على فهم هذه النصوص التأويلية.
ثانياً: حمل لفظ "العبادة" في القرآن على الإمامة
في نمط تأويلي مماثل، نجد تطويع آيات أخرى لتخدم الأصل نفسه. ففي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: 12]، وهي تتحدث عن إفراد الله بالدعوة إيماناً به وتركاً للإشراك، نجد في كتاب بحار الأنوار (23/364) رواية عن أبي جعفر تقول: "في قوله عز وجل: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ بأن لعلي ولاية، ﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ﴾ من ليست له ولاية تؤمنوا...".
تأمل هذا التوجيه؛ إنه نقلة نوعية من معنى العبودية المباشرة لله إلى معنى الاعتقاد بالأشخاص. هذا المنهج في التعامل مع النص القرآني يذكّر بمناهج التأويل الباطني التي تعزل اللفظ عن ظاهره وسياقه، وتُحمّله معاني مستجدة لا يدل عليها التركيب اللغوي ولا المقصد الشرعي للآية. وهو ما يظهر جلياً عند تتبع غدير 1 وغدير 2 وما تلاه من اجتهادات في تفسير النصوص.
ثالثاً: الاستدلال بآيات التوحيد على نفي المشاركة في الإمامة
تأتي آية أخرى واضحة الدلالة في تقرير وحدانية الله، وهي قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 61]. الاستفهام هنا استنكاري لتقبيح الإشراك بالله. ولكننا نجد في المصادر الشيعية توجيهاً مختلفاً؛ فقد نقل المجلسي في بحار الأنوار (23/391) عن أبي عبد الله تفسير هذه الآية بقوله: "أي إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد؟".
مرة أخرى، تنصرف الآية عن الدلالة على الله سبحانه وتعالى إلى دائرة الإمامة والصراع البشري. هذه نقلة تأويلية تجعل الباحث يتساءل: إذا كان هذا هو منهج قراءة ما يتعلق بتوحيد الربوبية والألوهية، فما الذي يبقى من مركزية التوحيد في بنية الاستدلال الديني؟
رابعاً: مركزية الولاية في بعثة الأنبياء وفقاً للرؤية الروائية
تكتمل هذه المنظومة التأويلية بروايات تجعل من "الولاية" – لا التوحيد – الغاية الكبرى من بعثة الرسل. فقد وردت روايات صريحة في مصادر القوم، منها ما في كتاب الكافي (1/437) والبرهان (2/367)، تنص على أن "ما بعث الله نبياً قط إلا بولايتنا والبراءة من أعدائنا"، وأن "ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها". وهذا المعنى متسق مع ما ورد في بحث آدم والنماذج الأولى للولاية.
إن قياس هذه النصوص على النصوص القرآنية الصريحة التي تجعل التوحيد محور الدعوة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] يُظهر أن هناك إزاحة منهجية لحقيقة التوحيد لصالح مفهوم الإمامة. وهذا التحول في مركزية المفاهيم هو جوهر الإشكال الذي يُطرح للنقاش: كيف تؤثر مثل هذه البنى الروائية على فهم مسألة التوحيد في سياق حوار الأديان والمذاهب؟ وكيف انعكس ذلك على مواقف شخصيات كـعثمان ومعاوية وعائشة في الحوادث التاريخية الكبرى؟ إن تتبع سيرة الفاروق وحده تفتح باباً واسعاً لهذا النوع من التحليل النقدي المقارن.
خلاصة النقد المنهجي
إن ما تم استعراضه من نصوص يكشف عن منهج تأويلي ثابت في بعض مصادر الطائفة الشيعية، يتم بموجبه إعادة توظيف نصوص التوحيد والتحذير من الشرك في القرآن الكريم لتقوية أصل الإمامة والولاية. وهذا التحليل لا يُقصد به الهجوم على أحد، بل هو رصد لمنهج في التفسير يرى كثير من الباحثين أنه يُفقد النص القرآني مقصده الأسمى، ويُخضع دلالته لمنظومة عقدية خارجية. ومثل هذه القضايا هي التي تثري مادة "المناظرات العلمية"، و"الردود على الشبهات"، كالتي يقدمها باحثون كـ"رامي عيسى" أو يرد عليها شخصيات كـ"السيد حيدر الموسوي"، حيث يبقى الحوار الموضوعي هو السبيل لتقويم الفكرة وتفكيك النص، بعيداً عن لغة الإساءة، التي لا تخدم أي بحث جاد عن الحقيقة.
هذا المقال جزء من سلسلة أبحاث في مقارنة المذاهب ومنهجيات التفسير، ويُعنى بتفكيك الأفكار وفق منهج علمي موضوعي.
