لماذا لم يذكر القرآن إمامة عليّ والأئمة الاثني عشر؟ دراسة نقدية في أدلة الإمامة من مصادر السنة والشيعة
✍️ بقلم الباحث: د. رامي عيسى (السيد حيدر الموسوي) ❖
لماذا أغفل القرآن ذكر إمامة عليّ وأبنائه؟
الوصف: أسئلة نقدية حول إغفال القرآن لإمامة عليّ وأبنائه، مع الردود من كتب الشيعة والسنة.
س ١: لماذا ذكر الله في كتابه أركان الإسلام الخمسة ... وترك أعظم هذه الأركان عندكم، وهي ولاية عليّ وأبنائه دون أدنى ذكر؟
كثيرًا ما يذكر الله تعالى في كتابه أركان الإسلام الخمسة القائم عليها الإسلام، ولم ينص الله على ولاية عليّ ﷺ، أو ولاية أبنائه الأئمة من بعده، مما يدل على أنها ليست من الدين في شيء.
س ٢: ﴿...﴾ فأين ولاية عليّ من هذه الآية؟
أوضحت الآية الكريمة أن على المؤمن الحق أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ومن لم يؤمن بهذه الأمور فقد كفر، ولم تتضمن هذه الآية ولاية عليّ ﷺ، أو ولاية أبنائه من قريب أو بعيد، بل لم يذكر الله في هذه الآية أن من لم يؤمن بوالية عليّ ﷺ أو أبنائه قد ضل ضلالاً بعيدًا.
﴿وَنزَلَّنا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تبيَانَا لكُلِّ شَيْء وَهْدَىٰ وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾
سورة النحل : ٨٩
أوضحت هذه الآية الكريمة أن الله أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء، سواءً جملةً أو تفصيلًا، فكيف لم يبين القرآن ولايةً علي أو أبنائه، وهي أعظم أركان الإسلام (عند الشيعة)؟! بل لماذا لم يأمر الله بها ولو في آية واحدة؟! ولماذا لم يذكرها الله تصريحًا أو تلميحًا في كتابه العزيز؟! وإذا كان الكتابُ تبيانًا لكل شيء، فلماذا لم يبين الله فيه أنَّ من أنكر إمامة عليّ ﷺ وأبنائه من بعده فقد كفر وخرج من دائرة الإسلام؟!
﴿وَكُلِّشَيْءٍفَصَلَّنَهُ﴾ [الإسراء: ١٢]، فأين ذكر ولاية عليّ ﷺ أو ولاية أبنائه من بعده في القرآن الكريم إجمالاً أو تفصيلاً؟
فَلَمْ يَتْرُكِ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ إِلَّا وَضَّحَهُ وَأَقَرَّهُ، والولايةُ عند الشيعة من الأمور العظيمة، ومن أركان الدين الأساسية، ومع ذلك لم يذكرها الله في كتابه تلميحًا أو تصريحًا، مما يدل على عدم وجودها.
س ٣: هل استشهد عليّ ﷺ بأي آية أو حديث على إمامته، أو إمامة أحد أبنائه؟
لم نجد نصًا عن عليّ ﷺ استشهد فيه بنصوص الوحي على أنه أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان ﷺ، أو على خلافة أو إمامة الحسن من بعده، إذا فالشيعة استدلوا بما لم يستدل به عليّ ﷺ نفسه.
س ٤: هل ورد نص عن علي ﷺ قال فيه مثلاً: «أنا الخليفة بعد النبي ﷺ فاتبعوني؟»
كان علي ﷺ من فرسان العرب وأشجعهم، ومواقفه في الصدّ والذبّ عن دين الله كثيرة، ومع ذلك لم نجد له قولاً واحدًا بعد وفاة النبي ﷺ يدعو فيه المسلمين إلى اتباعه، وأنه هو الخليفة من بعده، بل على العكس، بايع أبا بكر وعمر على الخلافة، وأقر لهما بها. بل بايع عثمان ﷺ، ولم يصرح بأن له حقًا في خلافة النبي ﷺ، فإن ادعى بعضهم أن عليًّا كان عاجزًا، فالعاجزُ لا يصلح للإمامة قط، وإن ادعى آخرون أنه كان مستطيعًا لكنه لم يفعل، فقد خان الأمانة، والخائن لا يصلح للإمامة قط، بل لا يؤتمن على الرعية.
س ٦: لماذا لم يصرح القرآنُ بأسماء الأئمة الاثني عشر، مع أنه صرح بأسماء من هم أدنى منهم منزلة، وهم الأنبياء «حسب مزاعم الشيعة»؟
أجمع علماء الشيعة على أن الأئمةَ الاثني عشر أفضلُ من أنبياء الله قاطبةً إلَّا محمدًا ﷺ، ومع ذلك لم نجد أيَّ آيةٍ في كتاب الله تعالى ذكرت اسمَ أيٍّ منهم، بما فيهم عليّ ﷺ، مع أن القرآنَ مليءٌ بأسماء الأنبياء في مواضع كثيرةٍ، ومتفرقة من آيات وسور.
نقل الإجماع على ذلك المجلسي بقوله: «وأكثر علماء الإمامية بل كلهم قائلون بأن أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء سوى نبينا».
(بحار الأنوار ٢١/٢٨٤)
س ٧: ذكر الله اسم زيد بن حارثة في القرآن بسبب مسألةٍ فقهيةٍ، فلماذا لم يذكر اسم عليٍّ والأئمة من بعده في مسألة هي من أهم أصول الاعتقاد عندهم، وهي الإمامة؟!
صرح القرآن بذكرِ زيد بن حارثة في قصة طلاقِهِ المشهورة، وهو خلاف عائلي، ومسألة فقهية ليست من أصول الاعتقاد في شيء، وفي نفس الوقت لم يصرح بوالية علي، أو أحد أبنائه، وهي قضية يُكَفَّرُ منكرُها عند الشيعة، فإما أنه لا يوجد إمامة أو ولاية أصلًا، أو أنَّ القرآن يهتم بالقضايا الفقهية، ولا يكتَرِثُ بما يكفر منكره من أصول الاعتقاد.
س ٨: لماذا أثبت القرآن الكريم إمامة المهاجرين والأنصار ولم يثبت إمامة الأئمة الاثني عشر التي هي أصل من أصول الدين ؟!
أثبت القرآنُ الكريمُ إمامةَ المهاجرين والأنصار لعامة أمة الإسلام، وهي إمامة الاقتداء والاتباع، وحث الناس على اتباعهم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فأثبت أنهم أئمة واتباعهم واجب على الأمة، وبلوغ درجات الجنان ورضى الرحمن لا يكون إلا باتباع الصحابة عليهم الرضى والرضوان؛ إذ الصحابةُ أئمةُ الهدى ومصابيح الدجى، فأين إمامة الاثني عشر بنص واضح جلي كهذا؟!
س ٩: استخلف عمر عليًّا على المدينة المنورة عندما خرج لاستلام مفاتيح بيت المقدس، فقبل عليّ ولاية عمر، ولم يحرك ساكنًا في غيابه، وثبت بالاتفاق أيضًا أنه ـ أي: عمرَ ﷺ ـ ولَّى سلمان الفارسي على المدائن، وعمار بن ياسر على الكوفة.
والشيعة تدعي أنَّ سلمانَ وعمارًا كانا مناصرين لعليّ، وكانا من شيعته، فلو كان عمر عندهم مرتدًّا أو ظالمًا فلماذا قبلوا أن يكونوا أمراء في خلافته ؟ وكيف يجعل الإمام والأمير على مدينة رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب، وهو يبغضه، ولا يحبه ؟!
علمًا أن عليًا ﷺ سيصير خليفةً على المسلمين في حال تعرض عمر لأي مكروه. فهل كان هؤلاء أعداءً، أم إخوةً متحابين؟ وهل كان يبغض ويكفر بعضهم بعضًا، أم كانوا يدًا واحدة لبناء الأمة؟!
س ١٠: يزعم الشيعة وجوبَ اتباع الأئمة الاثني عشر فقط بعد النبي ﷺ، لكن القرآن الكريم يخبرنا بخلاف ذلك.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
على مباين الشيعة الصواب أن تكون الآية هكذا: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل (الأئمة) نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا»، ولكن الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وبهذا تبطل نظرية: «لا اتباع إلا للأئمة المعصومين».
س ١١: من أين تؤخذ أصول الاعتقاد عند الشيعة؟
من المشهور عند الشيعة أن أصول الاعتقاد لا تؤخذ إلا من المُحْكَمِ من الأدلة، فإن أقروا بهذا فأين الدليل المحكم من الكتاب، أو السُّنَّة على إمامة عليّ ﷺ وأبنائه من بعده؟!
س ١٢: قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، فهل حدث النبي ﷺ أمته بكونه نبيًّا أم بكونه إمامًا؟
إذا كانت إمامةُ النبي ﷺ أعظمَ من نبوته لزم من ذلك أن تكون نعمةَ الإمامة أكبرَ من النبوة، وبالتالي يجب على النبي ﷺ أن يحدث الناس بإمامته، وهذا ما وجدنا عكسه تمامًا، فلم نجد في كتاب الله أن النبي ﷺ نال منصبًا أعلى من النبوة اسمه «الإمامة»، ولم نجد أنه أخبر أمته بأنه نال منصبًا أعلى من النبوة اسمه «الإمامة»، بل وجدنا الشيعة في تفسير هذه الآية يقولون: «قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أي: بما جاءك من النبوة».
(مناقب آل أبي طالب، ص ٤٠)
فلو كانت الإمامةُ هي النعمة الأكبر لكان التحدث بها أوجب، بل والأدهى من ذلك أنهم نفوا عن النبي ﷺ تلك الإمامة تمامًا.
س ١٣: قال الصدوق في كتابه «الاعتقادات» وهو يقرر المسألة في القبر: «فإن رسول الله ﷺ كفَّن فاطمة بنت أسد في قميصه بعد ما فرغ النساء من غسلها، وحمل جنازتها على عاتقه، فلم يزل تحت جنازتها حتى أوردها قبرها، ثم وضعها ودخل القبر واضطجع فيه، ثم قام فأخذها على يديه ووضعها في قبرها، ثم انكب عليها يناجيها طويلاً ويقول لها: ابنك ابنك، ثم خرج وسوى عليها التراب، ثم انكب على قبرها، فسمعوه وهو يقول: اللهم إني أستودعها إياك، ثم انصرف.
فقال له المسلمون: يا رسول الله، إنا رأيناك صنعت اليوم شيئًا لم تصنعه قبل اليوم! فقال: اليوم فقدت برأيي طالب، إنها كانت يكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها وولدها، وإياي ذكرت يوم القيامة يومًا، وأن الناس يحشرون عراةً فقالت: واو سوأتاه، فضمنت لها أن يبعثها الله كاسية، وذكرت ضغطة القبر فقالت: واو ضعفاه، فضمنت لها أن يكفيها الله ذلك، فكفنتها بقميصي واضطجعت في قبرها لذلك، وانكبيت عليها فلقنتها ما تسأل عنه.
وإنما سئلت عن ربها فقالت: الله، وسئلت عن نبيها فأجابت، وسئلت عن وليها وإمامها فأَرَجَ عليها، فقلت لها: ابنك، ابنك. فقالت: ولدي ولي وإمامي، فانصرفا عنها وقالا: لا سبيل لنا عليك، نامي كما تنام العروس في خدرها».
(الاعتقادات للصدوق، ص ١٣٨–١٤٠، الطبعة الثالثة. قم – إيران – مؤسسة الإمام الهادي)
بل ونصوا في كتبهم وفي رواياتهم أن الله أعطى محمدًا النبوةَ وأعطى عليًا الإمامة.
(علل الشرائع للصدوق ١/١٧٣، الطبعة الأولى. بيروت: دار المرتضى)
وعليه فإما أن يقولوا بأن النعمة العظمى التي حدث بها النبي ﷺ هي النبوة، وعندها تسقط الإمامة الشيعية. وإما أن يقولوا بأن النعمة العظمى هي الإمامة مع مخالفة النبي ﷺ للأمر الذي في الآية، وأنه كتم إمامته، وعندها يسقط الدين الشيعي.
