رزية الخميس: عرض للروايات والتفسيرات وأبرز الاعتراضات
رزية الخميس: عرض للروايات والتفسيرات وأبرز الاعتراضات
منهجية العرض
يعرض هذا المقال الروايات الواردة في حادثة رزية الخميس من مصادر أهل السنة والشيعة، مع تحليل التفسيرات المختلفة. يحرص المقال على نسب كل رأي إلى قائله، والتمييز بين النصوص المتفق عليها والمسائل الاجتهادية، دون ادعاء القطعية في القضايا الخلافية. وهو يمثل محاولة لفهم الحادثة في سياقها التاريخي، مع الاعتراف بتعدد القراءات الممكنة.
فهرس المحتويات
المقدمة • ملخص الحادثة • طبيعة الأمر النبوي: الوجوب والاستحباب • أدلة قرآنية حول تقسيم الأوامر • تحليل لفظة "أهجر" في الروايات • موقف عمر من السنة في المصادر • قراءة في نهج البلاغة ومدح عمر • تأويل قوله "قوموا عني" • ماذا كان النبي سيكتب؟ تعدد التفسيرات • نقد روايات الشيعة في الرزية • مناقشة بعض الروايات الشيعية • دروس من قصة موسى والخضر • خلاصة • الأسئلة الشائعة
المقدمة
تعد حادثة رزية الخميس من أكثر المسائل التاريخية إثارة للجدل في التراث الإسلامي، وذلك لما تحمله من أبعاد تتعلق بمسائل الخلافة، والوصية، واجتهاد الصحابة، وطبيعة الأوامر النبوية. ورغم أن الواقعة نفسها مثبتة في المصادر الأساسية، فإن تفسيراتها ودلالاتها قد اختلفت اختلافاً كبيراً بين المذاهب الإسلامية، مما جعلها موضوعاً خصباً للبحث والنقاش.
يهدف هذا العرض إلى تقديم قراءة منهجية للحادثة، من خلال استعراض الروايات الواردة في كتب السنة والشيعة، وتحليل الأقوال المختلفة، وعرض الاعتراضات المثارة، مع الإشارة إلى نقاط الاتفاق والاختلاف بين الفرق، ونسبة كل رأي إلى أصحابه.
ملخص الحادثة
وردت حادثة رزية الخميس في صحيح البخاري (حديث رقم ٥٧١٠، كتاب المرضى) وصحيح مسلم (حديث رقم ١٦٣٧، كتاب الوصية) وغيرهما من كتب السنة. وتتلخص في أن النبي محمداً ﷺ، في يوم الخميس من مرضه الذي توفي فيه، طلب من الصحابة الحاضرين عنده إحضار دواة وكتف (أي قرطاس وعظم عريض للكتابة)، قائلاً: "ائتوني بدواة وكتفٍ، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً".
وهنا اختلف الصحابة في تنفيذ هذا الطلب. فذهب فريق إلى ضرورة الامتثال الفوري، استجابةً لأمر النبي. بينما رأى فريق آخر، وعلى رأسهم الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قد اشتد به الوجع، وأن في إتعابه مشقة، فقالوا: "حسبنا كتاب الله". وتصاعد النقاش حتى قال النبي ﷺ: "قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع".
وقد بكى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما متأثراً بهذا الموقف، قائلاً: "الرزية كل الرزية، ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم" (رواه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، حديث رقم ١١٤).
طبيعة الأمر النبوي: الوجوب والاستحباب
من أهم الأسئلة التي تثيرها الحادثة: هل كان طلب النبي ﷺ للكتابة أمراً ملزماً قطعياً، أم كان من باب المشورة والاستحباب؟ هذا السؤال هو جوهر الخلاف في تفسير الواقعة.
يرى جمهور علماء أهل السنة أن الأوامر النبوية لا تخرج عن إحدى مراتب التشريع الخمس: الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهة، التحريم. ولا يصح حمل كل أمر على الوجوب دون قرينة. واستندوا في ذلك إلى:
- قول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، فلو كان كل أمر ملزماً لما كانت للمشورة معنى.
- آية كتابة الدين: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾، والتي ذهب الجمهور إلى أن الأمر فيها للاستحباب، وليس للوجوب (انظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج٢، ص٢٠٦).
- موقف علي بن أبي طالب في صلح الحديبية، حين امتنع عن محو كلمة "رسول الله" بأمر النبي ﷺ، ثم محاها النبي بيده (رواه البخاري، كتاب الصلح، حديث رقم ٢٧٣١). وهذا يوضح أن بعض الأوامر قد لا تكون قطعية الإلزام.
أما الشيعة فيرون أن الأمر كان إلزامياً، وأن النبي كان سينص على إمامة علي، وأن معارضة الصحابة له كانت خطأً كبيراً، بل يعتبرونها من أدلة نقصان إيمانهم.
أدلة قرآنية حول تقسيم الأوامر
أمر المشورة
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، والأمر هنا للندب، بدليل أن النبي ﷺ كان أعلم الناس، ولكنه مع ذلك كان يستشيرهم في بعض الأمور الدنيوية والعسكرية، مما يدل على أن المشورة مندوبة، وأن الأوامر ليست كلها ملزمة.
آية كتابة الدين
﴿فَاكْتُبُوهُ﴾، ورغم صيغته الأمرية، فقد اتفق الفقهاء على أنه للاستحباب، وهو دليل على جواز صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة بالقرينة.
موقف الحديبية
امتناع علي عن محو كلمة "رسول الله" بأمر النبي، ثم محوها النبي بيده، يدل على أن الأمر بالمحو لم يكن واجباً على علي، وإلا لما امتنع، ولما تركه النبي له.
تحليل لفظة "أهجر" في الروايات
من أكثر الإشكاليات التي أثارها الجدل حول الحادثة ورود لفظة "أهجر" في بعض الروايات. وقد وردت هذه اللفظة بصيغ متعددة، أبرزها ما رواه البخاري: "فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهَمُوهُ" (صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث رقم ١١٤).
وقد اختلف العلماء في تفسيرها:
- الرأي الأول (رأي جمهور المحدثين): أنها صيغة استفهام إنكاري، أي أن الصحابة استنكروا ألا يكتب النبي الكتاب، وتساءلوا عن السبب. وهذا المعنى لا يحمل أي طعن في النبي ﷺ، بل هو تعبير عن الدهشة والاستغراب. قال القرطبي: "أَهَجَرَ؟ بهمزة الاستفهام، هكذا الرواية الصحيحة" (المفهم، ج٤، ص٥٥٩)، وقال القاضي عياض: "وأكثر الروايات أهجر بألف الاستفهام، وهو الأظهر والأولى" (مشارق الأنوار، ج٢، ص٤٥١).
- الرأي الثاني: أن القائل هو عمر بن الخطاب، وبمعنى أن النبي ﷺ قد هذى من شدة المرض. لكن هذا الرأي ضعّفه أكثر المحققين، لأن ترتيب الرواية يوضح أن عمر تكلم أولاً بقوله "حسبنا كتاب الله"، ثم وقع اللغط، ثم قالوا "أهجر" استفهاماً واستنكاراً. وقد نقل ابن حجر عن النووي أن هذا لا يصح نسبته لعمر (فتح الباري، ج٨، ص١٣٤).
- الرأي الثالث: أن اللفظة محرفة من "أهجر" بمعنى "أفرق" أو "أمات"، كما في قوله ﷺ "هجر رسول الله نساءه شهراً" أي فارقهن. ورد هذا القول عن بعض اللغويين، لكنه ليس بالمشهور.
والمهم هنا أن اللفظة وردت بصيغة الاستفهام في أكثر الروايات، وصدرت عن الفريق الآخر المستنكر، وليس عن عمر بن الخطاب. ولو أنها صدرت عن أحد بقصد الطعن، لكان ذلك كفراً عند أكثر الفقهاء، ولوجب قتل قائلها، وهذا لم يحدث، مما يدل على عدم وقوعها بهذا المعنى.
موقف عمر من السنة في المصادر
يرد بعض الشيعة على موقف عمر في رزية الخميس بأنه كان يريد إبطال السنة والاكتفاء بالقرآن، لكن هذا الرد يتعارض مع نصوص كثيرة تثبت تمسك عمر بالسنة وتعظيمه لها.
ففي صحيح مسلم (حديث رقم ١٤٨٨) يروى أن عمر قال: "لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة"، وذلك في قصة فاطمة بنت قيس التي روت حديثاً خالف رأيه في النفقة والسكنى.
وفي خطبة له يوم الجمعة قال: "إني إنما بعثتهم عليهم ليعتدوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ﷺ" (صحيح مسلم، حديث رقم ١٨٢٦).
فهذه النصوص تثبت أن عمر لم يكن منكراً للسنة، بل كان من أشد المتمسكين بها. ويمكن فهم قوله "حسبنا كتاب الله" في سياق تثبيت الأمر بالقرآن، والاستناد إلى الأصل الأكبر في التشريع، وهو لا ينافي الأخذ بالسنة، بل هو أسلوب من أساليب الاحتجاج.
قراءة في نهج البلاغة ومدح عمر
من الأدلة التي تثير إشكالاً على ادعاء بعض الشيعة بأن عمر كان مبغضاً للسنة، ما ورد في نهج البلاغة - وهو من أهم مصادرهم - من مدح الإمام علي لعمر بن الخطاب، وذلك في الخطبة المعروفة بـ "خطبة الشقشقية" أو في غيرها: "وكان والله يقيم الأود، ويداوي العمد، خلف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها" (نهج البلاغة، الخطبة الثالثة أو خطبة أخرى - انظر شرح ابن أبي الحديد، ج١، ص٢٥٠).
وقد فسر عدد من شرّاح النهج، كابن أبي الحديد المعتزلي ومحمد جواد مغنية، أن المقصود بفالن هنا هو عمر بن الخطاب، بينما ذهب آخرون إلى أنه أبو بكر أو غيره. وهذا الخلاف في التفسير يوضح أن المسألة ليست محسومة عند الشيعة، وأن النص يحتمل أكثر من قراءة.
تأويل قوله "قوموا عني"
يستخدم بعض الشيعة قول النبي ﷺ "قوموا عني" كدليل على طرده للصحابة، وأنهم لم يكونوا مؤمنين، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
والرد على ذلك من وجوه:
- أولاً: النبي ﷺ علّل أمره بقوله: "لا ينبغي عندي التنازع". فهو لم يقل "قوموا" طرداً، بل قالها لترك التنازع، وهو أمر قريب من قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. فالإصلاح واجب، والأمر بالقيام كان وسيلة للإصلاح.
- ثانياً: الأمر شمل الفريقين المتخاصمين، وليس عمر فقط. فلو كان طرداً، لكان النبي قد طرد الفرقة التي أرادت كتابة الكتاب - وهم عند الشيعة الصحابة المنتجبون - وهذا ما لا يستطيعون قبوله.
- ثالثاً: وردت في كتب الشيعة نفسها روايات بأن الإمام الباقر قال للإمام الصادق: "إليك عني يا بني" (رواه الكليني، الكافي، ج١، ص٢٨٠، وحكم بصحته المجلسي والخوئي). ويفسرها بعض الشراح بأنها بمعنى الطرد أو التأديب. فهل يلزم من ذلك أن الصادق لم يكن مؤمناً؟! لا، بل الأمر من باب التأديب والتنبيه، وكذلك قول النبي ﷺ.
ماذا كان النبي سيكتب؟ تعدد التفسيرات
اختلفت آراء الباحثين في تحديد مضمون الكتاب الذي كان النبي ﷺ يعتزم كتابته. وهذه من أكثر المسائل التي أثارت الجدل، لأنها تتصل مباشرة بقضية الخلافة والإمامة.
الرأي السني الشائع
يرى ابن حجر و النووي و القاضي عياض أن النبي ﷺ كان سينص على أبي بكر الصديق، استناداً إلى رواية صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (صحيح مسلم، حديث رقم ٢٣٨٧). وهذا يدل على أن النبي كان يريد توثيق إمامة أبي بكر بصورة رسمية.
الرأي الشيعي
يعتقد الشيعة أن النبي كان سينص على إمامة علي بن أبي طالب، وأن الصحابة -وعليهم عمر- حالوا دون ذلك. ويرون أن الحادثة دليل على أن علياً هو الخليفة الشرعي، وأن الأمة ضلت بتركها نصاً صريحاً.
رأي وسط
يرى بعض الباحثين المعاصرين أن النبي كان سيوصي بوصايا عامة تتعلق بالتمسك بالكتاب والسنة، أو ببعض الأمور العملية، وليس بالضرورة النص على شخص معين. وهذا ما يفسر عدم إصرار النبي على الكتابة بعد حصول الاختلاف، فلو كان الأمر متعلقاً بالخلافة، لكان من الأهمية بمكان أن يمضي فيه.
والراجح عند كثير من أهل السنة أن الأقرب هو النص على أبي بكر، لما جاء في الرواية الصحيحة، ولأن إمامة أبي بكر لم تكن بنص قطعي، فكان النبي يريد تأكيدها كتابةً. لكن هذا يبقى اجتهاداً، وليس حقيقة قطعية.
نقد روايات الشيعة في الرزية
من الملاحظات المهمة أن الشيعة يمتلكون روايات قليلة جداً في هذه الحادثة، وأن ما عندهم منها لا يصح سنداً عند كثير من محققيهم. فقد قال المحقق آصف محسني في كتابه (معجم الأحاديث المعتبرة): "من عجب الحال أنه لا رواية عند الشيعة ولو بسند ضعيف تروي ما قاله عمر..."، ثم قال: "أقول: كل الروايات ضعيفة ولا يصح منها شيء" (معجم الأحاديث المعتبرة، ج١، ص٢٢٠).
وأشهر رواياتهم هي رواية سليم بن قيس الهلالي، وهي كتاب موضوع عند كثير من علمائهم، وقد ضعّفه المفيد و الطوسي و الخوئي وغيرهم، بسبب أن راويه الوحيد هو أبان بن أبي عياش، وهو ضعيف عندهم، بل اتهمه بعضهم بالوضع. قال المفيد: "هذا الكتاب غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس" (الغيبة، ص٨٤).
فإذا كان الشيعة لا يملكون سنداً معتبراً -بحسب ما ذكره محققوهم- لهذه الحادثة، فإن الاحتجاج بها يضعف، وتكون الروايات السنية هي المعتمدة في إثبات الواقعة، وهي التي نرجع إليها في فهمها وتفسيرها.
مناقشة بعض الروايات الشيعية
من عجائب التراث الشيعي أنهم يروون روايات تشير إلى أن أئمتهم وصفوا بصفات قد تُفهم على أنها "هجر"، لكنهم لا يعدون ذلك طعناً. فمثلاً، روى الكليني بسنده عن الإمام علي أنه قال للنبي ﷺ في مرضه: "أعد علي حديثك، فلقد أنساني وجعي ما قلت" (الكافي، ج٢، ص٩٩، وحكم بصحته المجلسي والخوئي). فهذا النسيان بسبب الوجع، ولو كان هجراً لكان علي قد هجر - وحاشاه - لكنهم لم يعدوه كذلك.
وروى عباس القمي بسنده عن الإمام الصادق أنه ظنَّ بأبيه الإمام الباقر أنه يقول كلاماً بسبب الحمى، وهذا يعني أنه شكَّ في أنه يهجر (منتهى الآمال، ج٢، ص١٨٢). ومع ذلك لم يعدوه قدحاً.
وهذا يفتح باباً للنظر في تحميل لفظ "أهجر" الوارد في رزية الخميس دلالات سلبية، إذ يمكن تأويله في سياقه الطبيعي دون إساءة الظن بالقائلين.
دروس من قصة موسى والخضر
ورد في القرآن الكريم أن موسى عليه السلام استنكر فعل الخضر عليه السلام، وقال له: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ (سورة الكهف، الآية ٧٤)، مع أن فعل الخضر كان صواباً في علم الله. وقد بيّن الخضر لموسى الحكمة فيما فعل، واعترف موسى بقوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
وهذا يعلمنا أن الاستنكار قد يصدر من نبي كبير، وأنه لا يعني بالضرورة خطأ المستنكَر عليه، بل قد يكون من باب الاجتهاد أو عدم الاطلاع على الحكمة الكاملة. وكذلك استنكار ابن عباس لعدم كتابة الكتاب لا يعني أن ترك الكتابة كان خطأ مطلقاً، بل قد يكون فيه خير كما قال النبي ﷺ: "فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه".
خلاصة
بعد هذا العرض، يمكن استخلاص النقاط التالية:
- حادثة رزية الخميس مثبتة في المصادر الأساسية، لكن دلالاتها ليست قطعية، بل هي محل تفسير واجتهاد.
- تعدد التفسيرات يعكس طبيعة النصوص التاريخية التي تحتمل أكثر من قراءة.
- لا يصح تحميل لفظة "أهجر" معنى الطعن، لورودها بصيغة الاستفهام في أكثر الروايات، ولأن نسبتها لعمر غير ثابتة عند أكثر المحققين.
- موقف عمر بن الخطاب يُفهم في سياق الحرص على راحة النبي ﷺ، وليس في سياق معارضة السنة، بدليل تمسكه الشديد بالسنة في مواقف أخرى.
- بحسب ما ذكره عدد من محققي الشيعة، لا توجد رواية معتبرة عندهم في هذه الحادثة، مما يضعف الاعتماد على رواياتهم في هذا السياق.
- ينبغي التعامل مع مثل هذه القضايا بمنهجية علمية تقوم على التوثيق، ونسبة الآراء إلى أصحابها، والتمييز بين النصوص المتفق عليها والمسائل الخلافية.
وفي الختام، نؤكد على أهمية الحوار الموضوعي بين المذاهب الإسلامية، والتركيز على نقاط الاتفاق، والتعامل مع الخلافات التاريخية بروح علمية متسامحة، مع الاعتراف بأن الاجتهاد في فهم النصوص قد يؤدي إلى تعدد القراءات، وأن الحق في مثل هذه المسائل ليس حكراً على رأي واحد.
الأسئلة الشائعة
حادثة طلب النبي ﷺ الكتاب والقلم في مرض موته، ليكتب كتاباً للأمة، فاختلف الصحابة في تنفيذه.
اللفظة الواردة في أكثر الروايات هي "أَهَجَرَ؟" بصيغة الاستفهام، وينسبها أكثر المحدثين إلى الفريق الآخر المستنكر، وليس إلى عمر نفسه.
يرى جمهور علماء السنة أن الأمر كان من باب المشورة، وأن موقف عمر كان بدافع الرحمة بالنبي وعدم إتعابه.
يعتبر الشيعة أن النبي كان سينص على إمامة علي، وأن الصحابة الذين عارضوا الكتابة خالفوا أمره.
بحسب ما ذكره المحقق آصف محسني وغيره، لا توجد رواية بسند معتبر عندهم في هذه الحادثة.
اختلف العلماء: ذهب ابن حجر والنووي إلى احتمال النص على أبي بكر، ورأى الشيعة أنه النص على علي، وهناك من قال بوصايا عامة.
لأن عمر لم يطعن في النبي ﷺ، واللفظة المنسوبة إليه غير صحيحة، وسب النبي ﷺ يعد من أعظم الجرائم في الفقه الإسلامي.
المصادر والمراجع
- صحيح البخاري، كتاب العلم (حديث رقم ١١٤)، كتاب المرضى (حديث رقم ٥٧١٠) - الطبعة السلطانية.
- صحيح مسلم، كتاب الوصية (حديث رقم ١٦٣٧)، كتاب الطلاق (حديث رقم ١٤٨٨) - الطبعة التركية.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرناؤوط - مؤسسة الرسالة.
- نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد - دار الكتب العلمية.
- الكافي، للكليني - دار الكتب الإسلامية.
- منتهى الآمال، لعباس القمي - مؤسسة النشر الإسلامي.
- منهاج السنة النبوية، لابن تيمية - جامعة الملك سعود.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر - دار المعرفة.
- شرح النووي على صحيح مسلم - دار إحياء التراث.
- مرآة العقول، للمجلسي - دار الكتب الإسلامية.
- معجم رجال الحديث، للخوئي - مركز نشر التراث.
- الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم - دار الآفاق الجديدة.
- معجم الأحاديث المعتبرة، لآصف محسني - مركز الأبحاث العقائدية.
تم إعداد هذا العرض وفق منهجية أكاديمية، تعتمد على عرض الروايات وتحليلها، مع نسبة الآراء إلى أصحابها، بهدف تقديم رؤية علمية متوازنة حول القضية.
تنويه: هذا المقال يمثل عرضاً للروايات والتفسيرات، ويستند إلى مصادر معروفة، ولا يدعي القطعية في المسائل الخلافية.
