✍️
كتابة وتحرير من
ذ. رامي عيسى
/
السيد حيدر الموسوي
| بحث أكاديمي مقارن
﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾
— سورة طه (20) : 115
المهدي المنتظر في الفكر الإمامي الاثني عشري: دراسة في نصوص الغيبة والرجعة
تتناول هذه الدراسة بالاستقراء والتحليل جملة من النصوص الواردة في المصادر الإمامية الاثني عشرية حول قضية "المهدي المنتظر" وغيابه، وطبيعة حكمه، ورجعته، وما يرتبط بذلك من أحداث غيبية. ويهدف البحث إلى تقديم عرض موضوعي لتلك النصوص كما وردت في مصادرها الأساسية، مع التعقيب بقراءة منهجية تستقصي الإشكاليات المعرفية والمنطقية التي تثيرها هذه الأحاديث، وذلك في إطار من الحوار العلمي الرصين.
هذه الدراسة هي امتداد لسلسلة من الأبحاث المقارنة التي تناولنا فيها قضايا عقدية وفكرية كبرى، مثل رؤية المدارس الإسلامية في قضايا الغيب والآخرة، وإشكالية الصفات الإلهية بين مدارس الإثبات والتأويل، وعقيدة الشيعة الإمامية في القرآن والسنة والصحابة. كما نوصي القارئ بالاطلاع على قائمة المصادر الأصلية التي اعتمدناها في هذا التحقيق.
أولاً: نصوص الغيبة وصفات المنتظر
19 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه."
(الكافي للكليني، الجزء الأول، ص 34)
25 - عدة من أصحابنا، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: إني أرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يسوقه الله إليك بغير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك، فقال: "ما منا أحد اختلفت إليه الكتب، وأشير إليه بالأصابع، وسئل عن المسائل، وحملت إليه الأموال، إلا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث الله لهذا الأمر غلاماً منا، خفي الولادة والمنشأ، غير خفي في نسبه."
(الكافي، ج1، ص 341-342)
9 - محمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن معاوية، عن عبدالله بن جبلة، عن عبدالله بن بكير، عن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: "إن للقائم (عليه السلام) غيبة قبل أن يقوم"، قلت: ولم؟ قال: "إنه يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - يعني القتل."
(الكافي، ج1، ص 338)
📌 إشكالية مفهوم الغيبة وحكمة الإخفاء: يثير هذا التصور إشكالية منطقية، إذ لو كان السبب الأساسي للغيبة هو الخوف من القتل، فإن هذه العلة تستمر ولا تنتهي بطبيعة الحال، لأن العداوة والصراع من طبائع البشر، كما يشير النص القرآني في قوله تعالى: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}. فكلما ظهر إمام في هذا المنطق، كان له عدو متربص، مما يطرح سؤالاً حول إمكانية الخروج نهائياً من هذه الدورة. وقد ورد في المصادر الإمامية ما يُعلّل ذلك، إلا أن كثيراً من النقاد يرون أن هذه الحجة تضعف أمام الإشكالات العقلية الواردة عليها.
ثانياً: مدة حكم الإمام ورجعته (النصوص الواردة)
حكم الإمام (ع) ورجعة الأئمة (ع): ورد في بعض النصوص: "إنّ الإمام يحكم الناس على ما في قلوبهم لا على ظواهرهم كما ذكر عن سادة الأنبياء... ومدة حكم الإمام (ع) قيل أربع سنين وقيل سبع وقيل تسعة عشر سنة وقيل أربعون وقيل سبعون وقيل ثلاثمائة وخمسون سنة. ثم يقتل ويكون الهرج والمرج خمسون سنة ثم يحكم الإمام المنتصر وهو الحسين بن علي فيأتي شاباً ولا ينتهي حكمه حتى يسقط حاجباه على عينيه. ثم يأتي حكم أمير المؤمنين، وهكذا حتى تنتهي الدورة لكل المعصومين (ع) بآلاف السنين..."
(مائتان وخمسون علامة حتى ظهور الإمام المهدي لمحمد علي الطباطبائي الحسني، ص 17-18)
يُلاحظ تنوع الأقوال في تحديد المدة، مما يُشير إلى اختلاف الروايات في هذا الباب، وهو ما يولّد حالة من الارتباك لدى الباحث في تحديد الرؤية النهائية لهذه العقيدة. ويمكن مقارنة ذلك مع ما ورد في فروق الاعتقاد بين أهل السنة والشيعة من حيث المنهج في التعامل مع النصوص.
ثالثاً: نصوص تدل على عنف القائم وسيرته القتالية
429/ 33 - وبإسناده، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمر أمتي رجل من ولد الحسين، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً."
34 - وأخبرني أبو الحسن علي... عن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إبليس، قوله: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون...} أي يوم هو؟ قال: "يا وهب، أتحسب أنه يوم يبعث الله (تعالى) الناس؟ لا، ولكن الله (عزوجل) أنظره إلى يوم يبعث الله (عزوجل) قائمنا، فإذا بعث الله (عزوجل) قائمنا، فيأخذ بناصيته، ويضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم."
(دلائل الإمامة للطبري الشيعي، ص 453)
عن أبي الجارود - عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته، متى يقوم قائمكم؟ قال: "يا أبا الجارود، لا تدركون..." إلى أن قال: "ثم يبايعه من الناس ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً... يسير إلى المدينة... فيقتل ألفا وخمسمائة قرشيّ ليس فيهم إلا فرخ زنية. ثم يدخل المسجد فينقض الحائط... ثم يخرج الأزرق وزريق غضين طريين، يكلمهما فيجيبانه، فيرتاب عند ذلك المبطلون، فيقولون: يكلم الموتى؟! فيقتل منهم خمسمائة مرتاب في جوف المسجد... ويسير إلى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية... شاكين في السلاح... فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الاثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور..."
(دلائل الإمامة، ص 455-456)
📌 إشكالية السيرة القتالية: هذه النصوص، إذا أُخذت على ظاهرها، ترسم صورة مغايرة تماماً للسيرة النبوية في فتح مكة، حيث كان العفو والتسامح هو الغالب. ويلاحظ أن هذه الأحاديث تؤكد على سنّة القتل والإبادة الجماعية لفئات كاملة (كقريش والعرب وبني شيبة)، وهذا يطرح إشكالاً كبيراً من منظور أخلاقي وعقلي، خصوصاً إذا قورن ذلك بمقاصد الشريعة العامة التي تقوم على حفظ النفس والعقل. إن الاعتماد على هذه النصوص في بناء تصوّر عقائدي يحتاج إلى معالجة تأويلية عميقة لتجنب التناقض الظاهري مع آيات القرآن الكريم التي تنهى عن الظلم والعدوان، مثل قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل:126]، وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة:194].
وقد تناولنا بالتفصيل قضية العنف في الخطاب الديني في سياق مفهوم التقية وأثره في الفكر الإمامي، وكذلك في مناظرة كراهية عليّ لعمر، حيث يظهر أثر الموقف العقدي على فهم النصوص التاريخية.
رابعاً: قضية جعفر بن علي وإنكار وجود ولد للحسن العسكري
ورد في الغيبة للطوسي ص 106-107 نص يشير إلى موقف جعفر بن علي (عم الإمام الحسن العسكري) من ادعاء وجود ولد لأخيه الحسن، حيث أنكر ذلك واستولى على التركة، وحمل السلطان على حبس الجواري لاستبرائهن لتأكيد نفي الحمل. ويعلق الطوسي بقوله: "ليس بشبهة يعتمد على مثلها أحد من المحصلين، لاتفاق الكل على أن جعفراً لم تكن له عصمة كعصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل، بل الخطأ جائز عليه، والغلط غير ممتنع منه."
(الغيبة، ص 106-107).
📌 إشكالية منهجية: هذا الموقف، رغم أنه يُفسّر في المصادر الإمامية بعدم عصمة جعفر وكونه مخطئاً، إلا أنه من وجهة نظر خارجية يُعدّ دليلاً تاريخياً على وجود خلاف جذري حول بقاء نسل الحسن العسكري. فأنكر الأقربون وجود ولد له، ولم يقبلوا دعوى الشيعة، مما يجعل اعتماد هذه العقيدة على أخبار آحاد مروية من جهة خاصة أمراً يحتاج إلى تمحيص تاريخي ومعرفي، خاصة في ظل غياب أي دليل مادي أو حسي على وجود هذا الابن على مدار أكثر من ألف عام. وقد ناقشنا قضايا مشابهة في
تحقيق أسانيد حديث الغدير (الجزء الأول) و
الجزء الثاني، حيث تبيّن ضعف الكثير من الأسانيد التي يُبنى عليها.
خامساً: تناقض الأقوال حول مدة الغيبة وتحديد وقت الظهور
ورد في النصوص الإمامية تحذيرات شديدة من تحديد وقت الظهور، كما في حديث: "من أخبرك عنا بتوقيت فلا تهابه أن تكذبه فإنا لا نوقت وقتاً" (بحار الأنوار ج52 ص117). ومع ذلك، نجد العديد من الأحاديث التي تحدد مدداً زمنية لحكم القائم أو لغيابه، مثل:
- "يملك ثلاثمائة وتسع سنين، كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم" (دلائل الإمامة ص456).
- "يملك سبع سنين، يطول الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم" (بحار الأنوار ج52 ص337).
- ورد أن القائم هو السابع من ولد علي (استناداً إلى خبر موسى الكاظم)، مما يثير تساؤلاً عن كيفية ظهور عقيدة "الثاني عشر" رغم أن النصوص الأولى تحدّد عدداً آخر. (الغيبة للطوسي ص46-47، وبحار الأنوار ج52 ص279).
📌 ملاحظة منهجية: يُلاحظ أن النصوص متضاربة في عدد الأئمة، فهناك من يذكر أن القائم هو السابع (موسى الكاظم)، وهناك من يصر على أنه الثاني عشر، مما يُشير إلى تطوّر عقائدي واضح في الفكر الإمامي. وعدم القدرة على الجمع بين هذه النصوص يطرح علامة استفهام كبيرة حول صحة البناء العقائدي بأكمله، ويُعدّ من أهم نقاط الضعف التي يستند عليها النقّاد في مناقشة هذه العقيدة. وقد تناولنا جوانب من هذا التطور في
مناظرة رفض عليّ لسيرة الشيخين، وفي
تحليل تأويل آية عهد آدم.
سادساً: قضية السفراء الأربعة ونهاية الغيبة الصغرى
ورد في الاحتجاج للطبرسي (ج2، ص296-297) تفصيل للسفراء الأربعة، وهم: عثمان بن سعيد العمري، ثم ابنه محمد بن عثمان، ثم حسين بن روح، ثم علي بن محمد السمري. ويحتوي النص على توقيع ينسب إلى الإمام صاحب الزمان، يحذّر فيه من ادعاء المشاهدة بعد السمري، وينصّ على بدء "الغيبة التامة": "يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام... فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر."
(الاحتجاج، ج2، ص297).
📌 إشكالية منطقية: هذه الوثيقة تنهي عصر السفارة وتبدأ عصر الغيبة الكبرى، ولكنها في الوقت نفسه تقطع أي صلة مباشرة بين الإمام وأتباعه، وتعلن أنه لا سبيل إلى مشاهدته أو التواصل معه. وهذا الأمر يثير إشكالية كبرى، وهي: كيف يمكن للإمام أن يكون حجة على الناس وهو غير مرئي وغير متصل، بينما الحجة في المفهوم الإسلامي العام تتطلب الظهور والتبليغ والهداية العملية الملموسة؟ هذا التناقض جعل كثيراً من الباحثين يرون في هذه العقيدة استمراراً لدوافع سياسية ونفسية أكثر منها ضرورة عقدية، وهو ما يفسر طول أمد الغيبة وعدم تحقّقها على أرض الواقع. للمزيد حول هذا السياق، يمكن مراجعة
تحليل شخصية معاوية بن أبي سفيان و
تفنيد الشبهات حول خلافة عثمان، حيث تتجلى أهمية المنهج النقدي في قراءة التاريخ.
خاتمة: خلاصة نقدية منهجية
بعد استعراض هذه النصوص من مصادر الفريق الإمامي، تبرز جملة من الإشكاليات المعرفية التي تستدعي وقفة تأمل، بعيداً عن أي تجريح طائفي، وذلك من أجل الوصول إلى قراءة موضوعية لهذه العقيدة:
1. الإشكالية الأولى: التضارب في النصوص
هناك تناقض واضح بين الأحاديث في تحديد مدة الغيبة وصفات القائم وعدد الأئمة وطبيعة حكمه، مما يجعل التأسيس العقدي على هذه النصوص عملاً غير مستقر منهجياً، خصوصاً في غياب معيار واضح للترجيح بين المتعارضات.
2. الإشكالية الثانية: الإخفاء التام وعلاقة الحجة بالمكلفين
كيف يكون إمام معصوم مفترض الطاعة، وهو لا يُرى ولا يُسمع ولا يُتواصل معه، حجة على خلقه؟ إن هذا الموقف يختلف جذرياً عن سيرة الأنبياء والمرسلين الذين كانوا يخاطبون أقوامهم علناً ويبلغون الرسالة بوضوح، مما يثير تساؤلاً حول مشروعية هذه الغيبة من الأساس، وهل هي من صلب الدين أم أنها اجتهاد سياسي ظرفي تحوّل إلى عقيدة.
3. الإشكالية الثالثة: العنف المفرط وسيرته القتالية
إذا كانت الأحاديث صحيحة في وصف حكم المهدي بالقتل الجماعي لآلاف من قريش والعرب والمخالفين دون توبة أو استتابة، فإن ذلك يتعارض مع مبادئ الرحمة والعدل التي جاء بها الإسلام، ويُصوّر دولةً دموية تقوم على الإرهاب، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة التي نصّت على العفو عند المقدرة، كما فعل النبي ﷺ في فتح مكة.
4. الإشكالية الرابعة: غياب الدليل التاريخي والمادي
مضي أكثر من ألف عام على الغيبة المزعومة، ولم يظهر أي أثر أو دليل ملموس على وجود هذا الشخص، في حين أن التاريخ يزخر بأدلة على حياة كل الأئمة السابقين، وهذا الغياب الطويل يضعف الثقة في الروايات التي تستند إليها هذه العقيدة، ويجعلها أقرب إلى الأساطير المؤجلة منها إلى الحقائق التاريخية الثابتة.
5. الإشكالية الخامسة: التكييف الفقهي لانتظار غائب
تحويل الانتظار إلى عبادة (كما في حديث: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج") مع استمرار الغيبة دون أفق قريب، يجعل هذه العبادة معلقة على أمر غير متحقق، مما يُدخل المؤمن في دائرة من الأمل الزائف، ويُبعده عن العمل الإيجابي في الواقع، وهو ما يختلف جوهرياً عن روح الإسلام العملي الذي يحث على الأخذ بالأسباب والعمل في الدنيا، لا انتظار منقذ غيبي يظهر في آخر الزمان.