الصفات الإلهية في الفكر الإسلامي: دراسة مقارنة وموثقة بين المدارس العقدية
✍️ بقلم الباحث: د. رامي عيسى (السيد حيدر الموسوي) ❖
📑 فهرس المحتويات
إشكالية الصفات الإلهية في الفكر الإسلامي: دراسة مقارنة بين المدارس العقدية
مدخل: لماذا تُعد قضية الصفات محورية؟
يُعد باب "الأسماء والصفات" الركيزة الأساسية التي تتفرع عنها جملة من مسائل التوحيد في المدارس الإسلامية. فمن خلاله تُفهم طبيعة العلاقة بين الذات الإلهية وما يُنسب إليها من كمالات. وقد أفردت المصادر الكلامية قديماً وحديثاً مساحات واسعة لهذا الموضوع، بالنظر إلى خطورته وتأثيره المباشر على صياغة مفهوم التوحيد ذاته. فمن خلال استقراء النصوص في مظانها، يتبين أن الخلاف بين مدرسة الإثبات ومدرسة التأويل ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لمناهج كلامية تبلورت منذ القرون الهجرية الأولى.
في قراءتي لكتاب "أصول الكافي" و"شرح تجريد الاعتقاد" وغيرهما من المصادر، وجدت أن القضية لا تتعلق فقط بكيفية وصف الله، بل تمتد لتشمل رؤية كل مدرسة لمفهوم "الكمال الإلهي" ذاته. وهذا الباب يتقاطع – بشكل غير مباشر – مع جملة من الملفات العقدية الأخرى التي سبق أن ناقشناها في سياقات بحثية مختلفة، منها ما يتعلق بـ قضايا الغيب والآخرة التي تشكل امتداداً طبيعياً لمبحث الصفات.
أولاً: منهجية الإثبات في مدرسة أهل السنة والجماعة
يرتكز اعتقاد أهل السنة على إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه والتمثيل، عملاً بقوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
هذه الآية تمثل عندهم قاعدة ذهبية: إثبات السمع والبصر والكلام وغيرها من الصفات على الحقيقة، دون الخوض في "كيفيتها"، ودون تعطيلها بتأويلات تفرغها من معانيها. فالكمال الإلهي المطلق يستلزم – في نظرهم – أن تكون له صفات قائمة بذاته، زائدة عليها، يليق جلالها بعظمته سبحانه. ولقد كان لشخصيات الصدر الأول أثر بالغ في تقرير هذا المعتقد ونشره بين طبقات الأمة، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب المعروف بلقب الفاروق، وصاحب المواقف الحاسمة في الذب عن جناب التوحيد، وهو ما يمكن تفصيله بالرجوع إلى ما كتبناه في تحليل مسيرة الفاروق.
يؤمن أهل السنة أن لله عز وجل الكمال المطلق في ذاته، وصفاته، وأسمائه، فيثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العلى، على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى. وهذا الإثبات ليس تشبيهاً، بل هو إقرار بكماله الذي لا يشبهه فيه أحد. ومن الرموز التي ارتبطت بهذه الحقبة التأسيسية الخليفة عثمان بن عفان الذي كان لجمعه الأمة على المصحف أثر في حفظ النص القرآني الذي يستند إليه أهل الإثبات في تقرير الصفات. وفي مقابل هؤلاء، ثمة شخصيات أثارت جدلاً تاريخياً واسعاً في علاقتها بقضايا الاعتقاد والإمامة، على رأسها معاوية بن أبي سفيان، الذي يمثل منعطفاً في التاريخ السياسي والعقدي انعكس على تطور الفرق.
ثانياً: الرؤية الإمامية: الذات عين الصفات
في المقابل، تتبنى المدرسة الإمامية – كما يقرر كبار مصنفيها – منهجاً يقوم على أن "الذات عين الصفات"؛ أي أن الصفات ليست أموراً زائدة على الذات الإلهية، بل هي حقيقتها نفسها. فالله قادر بذاته، وعالم بذاته، وحي بذاته، وسميع بذاته، وبصير بذاته. وجود الصفات ليس إلا وجود الذات، فلا تغاير بينهما. وقد تبلور هذا التوجه في مصنفات كبار أعلامهم، وصار من المقررات التي لا يكاد يختلف عليها اثنان من طبقاتهم المتأخرة.
ينقل العلامة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد (ص 229): "ذهب الشيعة قاطبة إلى القول بأن الذات عين الصفات". ويوضح الباحث مالك مهدي السويدي هذا المفهوم بقوله: "نحن عندما نقول: الله حي، الله قادر، عالم... إلى غيره من الصفات، سميع، بصير، قادر، مختار، عالم، حي، مريد، كاره، مدرك، قديم، باقٍ، أبدي، متكلم، صادق... هذه الصفات هي عين الذات" الألوهية عند الفرق الإسلامية (ص 7). ويذكر العاملي في الإلهيات (ص 85) أن وجود الصفات ليس إلا وجود الذات، أي أن ذاته وصفاته شيء واحد، فصفاته ليست زائدة على ذاته.
هذا التوجه يثير إشكالات منهجية في نظر المخالفين؛ إذ يرون أن مجرد تصور هذا المذهب يكشف عن مخالفته لظواهر النصوص القرآنية الكثيرة التي تثبت صفات قائمة بالله، ومن أصرحها قوله تعالى:
﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾
[آل عمران: 181]
فكيف يُنسب السمع إلى ذاتٍ لا صفة لها تسمى سمعاً؟ هذا هو جوهر الاعتراض المنهجي من قبل مدرسة الإثبات. ومن يطالع نقاشات الشيخين أبي بكر وعمر في تقريرهم لعقيدة السلف، يدرك أن جذور هذا الخلاف تعود إلى منهج التلقي ذاته.
ثالثاً: الأسماء الحسنى وعلاقتها بالأئمة في المرويات الشيعية
من النصوص التي تستوقف الباحث في هذا الباب، ما يرد في المصادر الإمامية حول علاقة الأئمة بالأسماء الحسنى. فقد روى الكليني في "أصول الكافي" عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[الأعراف: 180]
أنه قال: "نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا" الكافي (1/ 143-144).
هذا النص تحديداً يوقف الباحث ملياً؛ فهو ينقل النقاش من دائرة "الصفات" إلى دائرة "الوساطة المعرفية"، حيث يُربط قبول الأعمال بمعرفة الأئمة بصفتهم التجلي الأكمل للأسماء الإلهية. ويرى شرّاح هذه الروايات أن المقصود ليس حلول الأسماء فيهم، بل كونهم المظاهر التامة التي تُعرف بها صفات الله وأسماؤه. ومع ذلك، فإن ظاهر النص يظل مثيراً للجدل بين المدارس الإسلامية. وهذا المعنى يتسق مع ما تعتقده الإمامية في شأن الإمامة والولاية، وهو ما يظهر جلياً في الروايات المتعلقة بـ واقعة الغدير (الجزء الأول) و تكملة تفاصيلها (الجزء الثاني)، حيث يربط الفكر الإمامي بين النص على الإمامة وبين هذه المكانة الكونية للأئمة.
رابعاً: التأويل كمفتاح لفهم نصوص الصفات في المنهج الإمامي
سلكت المدرسة الإمامية في التعامل مع النصوص التي ظاهرها إثبات صفات خبرية (كالسمع والبصر واليد والاستواء) مسلكاً تأويلياً، يتقاطع في جوانب منه مع المنهج الاعتزالي. فالآيات التي قد يُفهم منها التشبيه أو الرؤية بالعين أو غيرها، تُؤول بما ينسجم مع "التنزيه العقلي" الذي تبنته المدونة الكلامية الإمامية.
يصرح كتاب العقائد الإسلامية (2/ 51) بهذا المنهج بوضوح: "التأويل لآيات وأحاديث الصفات هو مذهب أهل البيت عليهم السلام، ويجعلون الأساس الآيات المحكمة في التوحيد مثل قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11]
وقوله تعالى:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
[الأنعام: 103]
ويقولون بتأويل كل نص يظهر منه التشبيه أو الرؤية بالعين؛ لينسجم مع حكم العقل وبقية الآيات والأحاديث".
هذه المنهجية التأويلية تطرح سؤالاً معرفياً كبيراً: ألا يُخشى أن يؤدي تأويل جميع الصفات وحملها على خلاف ظاهرها – رغم تكاثر النصوص من الكتاب والسنة بها – إلى تعطيل الصفات بالكلية، وبالتالي إلى عدم استقرار إثبات الذات الإلهية نفسها؟ هذا السؤال ليس اتهاماً، بل هو إشكالية منهجية يطرحها أهل السنة على الدوام، معتبرين أن الجمع بين التنزيه والإثبات – دون تأويل – هو السبيل الأسلم. ويلمس الباحث أن جذور هذا الجدل تعود إلى طبيعة المواقف التي اتخذتها شخصيات محورية في التاريخ الإسلامي، كالعلاقة الشائكة التي نوقشت في تحليل طبيعة الموقف بين علي وعمر، وموقف أم المؤمنين عائشة من بعض الملفات الكلامية.
خاتمة: بين الإثبات والتأويل، مساحة للبحث والمراجعة
بعد هذه الجولة في متون العقائد، يتبين أن الخلاف في باب "الأسماء والصفات" ليس خلافاً سطحياً، بل هو خلاف جوهري يعكس رؤيتين منهجيتين مختلفتين: رؤية تقوم على "الإثبات مع التفويض"، وأخرى تقوم على "التأويل مع التنزيه المطلق". الأولى تتمسك بظواهر النصوص مع نفي الكيف، والثانية تعطي الأولوية لحكم العقل في صياغة المفهوم التوحيدي. وكلا المدرستين تنطلقان من أصل واحد هو تنزيه الله، لكنهما تفترقان في الأدوات المنهجية المحققة لذلك التنزيه.
ما أرجوه من القارئ هو أن ينظر إلى هذه النصوص كجزء من تاريخ فكري طويل، وألا يحاكمها بعيداً عن سياقاتها. إن المتأمل في هذا التراث الضخم لا بد له من العودة إلى المصادر الأصلية التي اعتمدناها في هذا البحث، ليقف بنفسه على الأسانيد والمتون، ويكوّن قناعته الخاصة بناءً على استقراء كامل، لا على اجتزاء يخدم جدلاً مذهبياً. فالغاية من هذا العرض ليست التفضيل، بل توثيق الفروق المنهجية كما هي، في ضوء ما هو مدون ومعتمد لدى كل مدرسة. ولعل قصة أبي البشر آدم عليه السلام – وهي أول تجلٍ للأسماء في الوجود – تقدم نموذجاً بكراً لكيفية تعامل العقل البشري مع الصفات الإلهية منذ بدء الخليقة.
تنويه أكاديمي مهم
يؤكد الباحث التزامه بسياسات النشر الأخلاقي، وأن هذا الاستعراض الأكاديمي لا يهدف للتحريض أو تصنيف الفرق، بل لتوثيق التنوع المنهجي في دراسة العقائد داخل التراث الإسلامي. جميع النصوص منقولة من مصادرها المعتمدة، مع الإشارة إلى أن فهمها يخضع لمناهج تأويلية متعددة تختلف باختلاف المدارس. هذا المقال ليس منبراً للتفضيل المذهبي، بل نافذة بحثية تُشرع للقارئ باب الاطلاع والمراجعة.
